وصلت هي إلى محطة قد غادرها هو، كانت تظن أنها جاءت مبكرا، وأنها من لهفتها سبقت الزمان، ولكن ساعة أو ساعتين في انتظار المحبوب لا تعدها ضائعة، فهي قد قضت مئات الساعات في الانتظار قبل ذلك اليوم، وكلها كانت انتظارات صعبة ومملة، لكن اليوم ولأول مرة تحب الانتظار، تتمنى لو أنه يطول، لتودع كل شيء قبل أن يكون هو كل شيء وينهي اتصالها بالعالم، لأنها تعرف أنها لايمكن أن تجمع بين العالم وبينه، هو أكبر من العالم، والعالم أكبر منه.
لكن الساعة والساعتين صارت خمسة وستة وعشرة، ولم يعد الانتظار ممتعا، رأت الناس في المحطة يستقبلون أحبابهم ويودعونهم، يخرجون من عالم الانتظار، ويدخلون إلى الدنيا، وهي ما زالت تنتظر.
رأت أم تحتضن ابنها وتبكي وتستودعه الله وتلقي على القطار المغادر أدعيتها و وردها.
رأت فتاة كانت تقف بجانبها لساعات تستقبل محبوبها بدموع صامته وحضن غذته لسنين.
وهي ما زالت تنتظر.
عامل المحطة الذي رأها تدخل معها في ساعات الصباح الأولى، سألها بشفقة من تنتظرينه سيأتي على أي قطار؟، وعندما أرته التذكرة الذي أرسلها لها، قال جاء هذا القطار في الأمس، وابتسم بشماته، لم تعرف حتى اليوم سببها.
عادت إلى منزلها الذي كانت قد جهزته للاحتفال، رأت الطعام والحلوى، والبخور الذي لا تخرجه الا في المناسبات السعيدة، خرج من مخبأه ليلة خروج والدها من المستشفى، وليلة ولادة أختها للحفيد الأول، أعادته لمخبأه، وأطفئت الأنوار، شاهدت في التيك توك عربية تحاول أن تقنعها، أن الحب لم يعد موجود وأنها يجب أن تتعلم آداب الوحدة، و أمريكية تقول لها أنه سيأتي في أكثر وقت لا تتوقعه، وصينية تقول أن الحب تجارة يجب أن نتعلمها.